الأربعاء، 8 نوفمبر 2023

فاتورة الحرية بقلم الشاعر / حسن عبد المنعم رفاعى

فاتورة الحرية
========
*خرج بسام فلفحته حرارة الشمس جسده النحيل ووجد نور تجلس ولم يلاحظ أن هناك من يتتبع خطاه ولم يلاحظ أن هناك من يتتبع خطاه في السيارة تنتظره .وكانت هناك أيضا سيارة تنتظره من بعيد داخلها رجلان يرقبانه عن كثب وتتبع تحركاته .وسمع صرير لباب الحديدي التفت وهو يغلق من ورائه نفس الصرير الذى سمعه حين دخوله أول مرة، وهو يغلق خلفه قد ضاع من عمره عشرون أو يزيد فقد تعب من عدها من القهر في السجون والمعتقلات بسب أرائه وأفكاره من أجل العدالة وتحرير الوطن من المغتصب الغاشم ، ها هو الآن كهلا تجاوز الستين عاما وقد غزا الشيب رأسه ولحيته ، فتح زجاج نافذة السيارة التي كانت تسير بسرعة على الطريق ، وموسيقي هادئة تسرى كجدول  ماء عبر نسمات هواء الحرية المنعش، فلم تلاحظ السيارة التي تسير خلفهم تراقبهم من بعيد, أشعلت سيجارة  قدمت له أخرى أشعلها، وضعت نور يدها في حنو على راحته يده وهى مبتسمه وتهنئه على الحرية، كان شعرها الطويلة يتطاير يداعب وجهه الذى يشبه وجه الملائك بفعل الهواء المنبعث من نافذة السيارة. رسائل نور كانت بمثابة البلسم والمتنفس الوحيد الذي كان يخفف عنه كآبة ووحشة جدران بعد أن توفي والداه وهو في السجن وليس له اخوه . قد عرفها فهي فرنسية من أصول فلسطينية من خلال عملها في المنظمة الدولية التي تهتم بشئون المعتقلين والمسجونين بسجون الكيان الصهيوني، وكان اتصاله بنور التي كانت تقوم بزيارته جعل بينهم نوع من التواصل والتوافق الفكري بينهما، خاصة أن نور كانت تنشر مقالاته المناهضة للاحتلال في الصحف المختلفة. كما تكلفة بطباعة ونشر كتابه وقد أثمرت العلاقة بينهما عبر التراسل والزيارات قصة حب محموم بين عشيقين وكان يتمنى أن يعشه فما تبق لهم من العمر معا لتعوضه أيام شقائه.
قالت له:- لقد أنهيت إجراءات  سفرك لفرنسا ودخول المستشفى للعلاج وقد ولم يبق غير موافقة السلطات لتحديد ميعاد السفر.
رد قائلا:- أن صحتي معتلة لا تساعدني على السفر، أشعر بأنني سأموت هنا .
قالت:- لقد اتصلت بأحد الأصدقاء لتقيم عنده ريثما نتدبر امر السفر أو شقة تستقر بها.
كانت المياه الساخنة بالبانيو تمدد بجسمه فشعر باسترخاء جميع مفاصله مما جعله يبقى لمدة طويلة يتلذذ لأول مرة طعم الحرية. ارتدى ملابسه. أشعل سيجارة نفث الدخان المحبوس في رئتيه بصوت مسموع وكأنه يلفظ ما تبقى من سنوات القهر والمعاناة. رشف رشفتين من فنجان القهوة السوداء الذي هيأه بنفسه. تصفح الجرائد التي وضعها له صديق نور فوق الطاولة. أغلب العناوين لم تلفت انتبه إلا خبر الأفراح عنه. نظر الي الساعة المعلقة على الحائط، كان الموعد مع الطبيب الذي حددت له نور موعدا معه على الساعة العاشرة صباحا. ارتدى ثيابه بسرعة ،أشعل سيجارة وخرج. وشعر بالغربة يسئل نفسه هل هذه المدينة التي تركها في السبعينيات ، الشوارع غير الشوارع، بنايات وعمارات شاهقة، شوارع مكتظة بالناس، فتيات في عمر الزهور بملابس الجينز الضيقة تبرز مفاتن أجسادهن ، لم يستطع الاستمرار في المشي طويلا ، فقد دمر السجن قوى جسده ومشاعره وأحاسيسه ، فأثر التعذيب في الأقبية المظلمة تنتشر بأنحاء جسده ، أجهزت على ما تبقى من غريزته وصحته كما أخبره الطبيب الذي خرج من عيادته وهو في حالة نفسية متدهورة. بدى له الشارع والبنايات والوجوه  تلاشت ولا يوحد غير فراغ داخلي لا نهائي . سمع صوت الهاتف في جيبه ، رأى اسم نور على الشاشة. جال بخاطره رسائلها الغرامية و حبها الجنوني وقبلاتها الحارة أثناء زيارتها له في المعتقل أحس وكأنه تلقى صفعة قوية من الصفعات الجلادين وهو في القبو المظلم، لم تعد ركبتاه تقوى على حمل جسمه كان يمشي دون هدف أو اتجاه، الصور تتقاذف أمام عينيه، صورة نور ! الطبيب. !..يمشي وأزيز محرك العربات وأصوات الجلادون يطن بأذنه. ولم يلاحظ أن هناك من يتتبع خطاه..
- الو… الو .. الو
بقي شارد لبرهة أخذ نفسا ثم أجاب بصوت رخو:-
- الو نور
- أين أنت ؟ هل زرت الطبيب؟ ماذا قال لك؟
لم يعد يقوى على الكلام، أحس وكأن حباله الصوتية التصق بعضها ببعض، تجمدت الكلمات في حلقه، سقط على الأرض والهاتف بيده.
. كان سيارة نور تقطع الطريق بسرعة جنونية، بسام لا يجيب على الهاتف؟ ! هل لا زال عند الطبيب؟ !هل هو في المنزل؟ !هل وقع له مكروه؟ ! كانت الأسئلة تتقاذف في راسها ويديها على المقود. من بعيد كان جمهور من الناس يغطي الشارع . حتى لعيادة الطبيب تسال عنه اخبرها انه كان هنا ومضى  منذ اكثر من ساعة. فأسرعت للمنزل الذي يقيم فيه ،فتحت الباب ونزلت من السيارة مسرعة تتسابق الخطوات حتى باب الشقة أخذت تطرقه بعنف دون مجيب أسرعت تفتح الباب وتبحث بجميع الغرف وهى تصرخ عليه ،فلم  تجده، خرج احد القانطين بالشقة الأخرى قائلا:- من أنتِ؟ ماذا تريدين؟
- أنا صديقة بسام الذي يقيم هنا وهو مريض ولم أجده
-لا نعرف شى عنه. انفجرت نور باكية وهي تتمتم أنا السبب لقد تركته وحيدا لم استطع مساعدته ! فجأة أحست نور بالهاتف يرن في محفظتها
- الو حضرتك نور؟
- نعم، ما الأمر ؟
- هل تعرفين شخصا اسمه بسام؟
- نعم من أنت ؟ !
- نعم سيدتي إدارة مستشفى غزة ولقد صدمته سيارة بالشارع وطلب الاتصال بكِ،
جرى مثل المجنون تبحث عنه حتى وجدته يرقد على سريرها والضمادات تكسو كل جسدها ولا يظهر لا وجه الشاحب. جلست لجواره والدموع تسيل تبلل وجنتيه؛ تعلق بعنقها كطفل صغير يتشبث بأمه خوفا أن تتركه وحيدا
قائلا بصوت خافت:- الآن أموت وأنا قرير العين، فوجهك آخر شيء أراه في هذا العالم. وضعت سبابتها على فمه
قالت:- لا تقول هذا سوف نحي معا لأخر العمر
أحاطته بيديها تضمه في صدرها؛
فجأة تراخت ذراعاها وهو يقول :- قد تم لهم ما أرادو .لا تحزني فالقدر أقوى منى ومنك وسقط بين يديها ؛أخذت تصرخ وهى في ذهول من الصدمة تدل على الحسرة والألم . لقد قتلوه.. لقد قتلوه...
تحرير فى/21/10/2023
==================
الأديب/ حسن عبدالمنعم رفاعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.